فصل: الأية رقم ‏(‏136‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الأية رقم ‏(‏131 ‏:‏ 132‏)‏

‏{‏ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ‏.‏ ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون‏}‏ أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم وما عذبنا أحد إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من قرية إلا خلا فيها نذير‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير‏؟‏ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا‏}‏ والآيات في هذا كثيرة‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ ويحتمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بظلم‏}‏ وجهين أحدهما ‏:‏ أي بظلم أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، يقول‏:‏ لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولاً ينبههم على حجج اللّه عليهم وينذرهم عذاب اللّه يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير‏.‏ والوجه الثاني ‏:‏ لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، واللّه غير ظلام لعبيده، ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى واللّه أعلم، قال‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل درجات مما عملوا‏}‏ أي ولكل عامل من طاعة اللّه أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلغه إياها ويثيبه بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر‏.‏ قلت ‏:‏ ويحتمل أن يعود قوله‏:‏ ‏{‏ولكل درجات مما عملوا‏}‏ أي من كافري الجن والإنس، أي لكل درجة في النار بحسبه، كقوله‏:‏ ‏{‏قال لكل ضعف‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون‏}‏، ‏{‏وما ربك بغافل عما يعملون‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عند لقائهم إياه ومعادهم إليه‏.‏

 الأية رقم ‏(‏133 ‏:‏ 135‏)‏

‏{‏ وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ‏.‏ إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ‏.‏ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وربك‏}‏ يا محمد ‏{‏الغني‏}‏ أي عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ‏{‏ذو الرحمة‏}‏ أي وهو مع ذلك رحيم بهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه بالناس لرؤوف رحيم‏}‏ ‏{‏إن يشأ يذهبكم‏}‏ أي إذا خالفتم أمره، ‏{‏ويستخلف من بعدكم ما يشاء‏}‏ أي قوماً آخرين أي يعملون بطاعته، ‏{‏كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين‏}‏ أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين‏}‏ أي أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ‏{‏وما أنتم بمعجزين‏}‏ أي ولا تعجزون اللّه، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم تراباً رفاتاً وعظاماً هو قادر لا يعجزه شيء، وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون‏}‏ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله‏:‏ ‏{‏وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏على مكانتكم‏}‏ ناحيتكم، ‏{‏فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون‏}‏ أي أتكون لي أو لكم‏؟‏ وقد أنجز اللّه موعده لرسوله صلوات اللّه عليه، فإنه تعالى مكنه في البلاد، وحكّمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاده وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه رضي اللّه عنهم أجمعين كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوي عزيز‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة وسوء الدار‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون‏}‏، وقال تعالى إخباراً عن رسله‏:‏ ‏{‏فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم‏}‏ الآية، وقد فعل اللّه ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً‏.‏

 الأية رقم ‏(‏136‏)‏

‏{‏ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون ‏}‏

هذا ذم وتوبيخ من اللّه للمشركين الذين ابتدعوا بدعاً وكفراً وشركاً، وجعلوا للّه شركاء، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا للّه مما ذرأ‏}‏ أي مما خلق وبرأ ‏{‏من الحرث‏}‏ أي من الزرع والثمار، ‏{‏والأنعام نصيباً‏}‏ أي جزءاً وقسماً، ‏{‏فقالوا هذا للّه بزعمهم وهذا لشركائنا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه وما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ إن أعداء اللّه كانوا إذا حرثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا للّه منه جزءاً وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه للّه فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا‏:‏ هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوه للّه، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة للّه، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً‏}‏ الآية كان لحي من خولان صنم يقال له‏:‏ عم أنس، وكانوا يجعلون له نصيباً، ويجعلون للّه تعالى نصيباً، فإذا وقع في النصيب الذي للّه فيه شيء ردوه إلى الصنم، وقالوا‏:‏ هو إله ضعيف، كما ذكره السهيلي عن ابن إسحاق‏.‏ وخولان هؤلاء هم بنو عمرو بن الحارث بن قضاعة ، وقال ابن أسلم في الآية‏:‏ كل شيء يجعلونه للّه من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبداً، حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم اللّه معه، وقرأ الآية حتى بلغ ‏{‏ساء ما يحكمون‏}‏ أي ما يقسمون فإنهم أخطأوا أولاً في القسم، لأن اللّه تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها، بل جاروا فيها كقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏ويجعلون للّه البنات سبحانه ولهم ما يشتهون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذاً قسمة ضيزى‏}‏‏.‏

 الأية رقم ‏(‏137‏)‏

‏{‏ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ كما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار، قال ابن عباس‏:‏ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، زينوا لهم قتل أولادهم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ شركاؤهم شياطينهم، يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة‏.‏ وقال السدي‏:‏ أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي فيخلطوا عليهم دينهم، ونحو ذلك، قال ابن أسلم وقتادة‏:‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وإذا الموءدة سئلت بأي ذنب قتلت‏}‏، وقد كانوا أيضاً يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك، وإنما كان هذا كله من تزيين الشياطين وشرعهم لذلك، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء اللّه ما فعلوه‏}‏ أي كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كوناً وله الحكمة التامة في ذلك فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ‏{‏فذرهم وما يفترون‏}‏ أي فدعهم واجتنبهم وما هم فيه فسيحكم اللّه بينك وبينهم‏.‏

 الأية رقم ‏(‏138‏)‏

‏{‏ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون ‏}‏

قال ابن عباس الحِجْر‏:‏ الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا وهو قول مجاهد والضحّاك والسُّدي وقتادة وابن زيد وغيرهم ، وقال قتادة‏:‏ تحريمٌ كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد، ولم يكن من اللّه تعالى، وقال ابن أسلم‏:‏ ‏{‏حجر‏}‏ إنما احتجروها لآلهتهم، وقال السدي‏:‏ ‏{‏لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم‏}‏ يقولون‏:‏ حرام أن يطعم إلا من شئنا، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أرأيتم ما أنزل اللّه لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام‏}‏، وقال السدي‏:‏ أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقال مجاهد‏:‏ كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم اللّه عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ولا إن نتجوا ولا إن عملت شيئاً، ‏{‏افتراء عليه‏}‏ أي على اللّه وكذباً منهم في إسنادهم ذلك إلى دين اللّه وشرعه، فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم، ‏{‏سيجزيهم بما كانوا يفترون‏}‏ أي عليه ويسندون إليه‏.‏

 الأية رقم ‏(‏139‏)‏

‏{‏ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ‏}‏

قال ابن عباس ‏{‏وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا‏}‏ الآية، قال‏:‏ اللبن كانو يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، فنهى اللّه عن ذلك، وقال الشعبي‏:‏ البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء، وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا‏}‏ قال‏:‏ هي السائبة والبحيرة، ‏{‏سيجزيهم وصفهم‏}‏ أي قولهم الكذب في ذلك، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على اللّه الكذب‏}‏ الآية، ‏{‏إنه حكيم‏}‏ أي في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ‏{‏عليم‏}‏ بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء‏.‏

 الأية رقم ‏(‏140‏)‏

‏{‏ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على اللّه وافترائهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون‏}‏، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام‏:‏ ‏{‏قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم اللّه افتراء على اللّه قد ضلوا وما كانوا مهتدين‏}‏ ‏"‏رواه البخاري في المناقب وأخرجه ابن مردويه في تفسير هذه الآية‏"‏‏.‏

 الأية رقم ‏(‏141 ‏:‏ 142‏)‏

‏{‏ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ‏.‏ ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ‏}‏

يقول تعالى مبيناً أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها فجعلوا منها حراماً وحلالاً، فقال‏:‏ ‏{‏وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات‏}‏، قل ابن عباس‏:‏ ‏{‏معروشات‏}‏ مسموكات‏.‏ وفي رواية‏:‏ فالمعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات، وعنه‏:‏ معروشات ما عرش من الكرم، وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ ‏{‏متشابهاً وغير متشابه‏}‏ قال‏:‏ متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في المطعم، ‏{‏كلوا من ثمره إذا أثمر‏}‏ من رطبه وعنبه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هي الزكاة المفروضة‏.‏ قال ابن عباس ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏‏:‏ يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله ‏"‏وروي عن أنَس بن مالك وسعيد بن المسيب وهو قول طاووس وقتادة والحسن والضحاك‏"‏، وعنه قال‏:‏ إن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئاً، فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحد وما يلقط الناس من سنبله، وقد روي عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المساجد للمساكين ‏"‏رواه أحمد وأبو داود، وقال ابن كثير‏:‏ وإسناده قوي جيد‏"‏‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ هي الصدقة من الحب والثمار، وقال آخرون‏:‏ هو حق آخر سوى الزكاة، روى نافع عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ قال‏:‏ كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه، وعنه قال‏:‏ عند الزرع يعطى القبضة، وعند الصرام يعطى القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام، وقال سعيد بن جبير‏:‏ كان هذا قبل الزكاة للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته، وقال آخرون‏:‏ هذا شيء كان واجباً، ثم نسخه اللّه بالعشر أو نصف العشر ‏"‏حكاه ابن جرير رحمه اللّه واختاره‏"‏، وقد ذم اللّه سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة ن ‏:‏ ‏{‏إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون * فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم‏}‏ أي كالليل المدلهم سوداء محترقة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين‏}‏ قيل‏:‏ معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذّ نخلاً له فقال‏:‏ لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين‏}‏ ‏"‏رواه ابن جرير من حديث ثابت بن قيس‏"‏، وقال عطاء‏:‏ نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية‏:‏ ما جاوزت به أمر اللّه فهو سرف، وقال السدي‏:‏ لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء‏.‏ وقال سعيد ابن المسيب في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تسرفوا‏}‏ قال‏:‏ لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم، والمختار عند ابن جرير قول عطاء‏:‏ أنه نهى عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر واللّه أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا‏}‏ أن يكون عائداً على الأكل أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا ولا تسرفوا‏}‏ الآية‏.‏ وفي صحيح البخاري تعليقاً‏:‏ ‏(‏كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة‏)‏، وهذا من هذا، واللّه أعلم‏.‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏ومن الأنعام حمولة وفرشاً‏}‏ أي وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل‏:‏ المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، روي عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏حمولة‏}‏ ما حمل عليه من الإبل، ‏{‏وفرشاً‏}‏ الصغار من الإبل، قال ابن عباس‏:‏ الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإبل، وكذا قال مجاهد‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏ومن الأنعام حمولة وفرشاً‏}‏ أما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم، واختاره ابن جرير، قال وأحسبه إنما سمي فرشاً لدنوه من الأرض، وقال الضحاك وقتادة‏:‏ الحمولة الإبل والبقر، والفرش الغنم‏.‏ وقال السدي‏:‏ أما الحمولة فالإبل، وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة‏.‏ وقال ابن أسلم‏:‏ الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون‏:‏ شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافاً وفرشاً، وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّه الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا مما رزقكم اللّه‏}‏ أي من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها اللّه وجعلها رزقاً لكم، ‏{‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏}‏ أي طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم اللّه أي من الثمار والزروع افتراء على اللّه، ‏{‏إنه لكم‏}‏ أي إن الشيطان أيها الناس لكم ‏{‏عدو مبين‏}‏ أي بين ظاهر العداوة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً‏}‏ والآيات في هذا كثيرة في القرآن‏.‏

 الأية رقم ‏(‏143 ‏:‏ 144‏)‏

‏{‏ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ‏.‏ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ‏}‏

هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعاً بحيرة وسائبة ووصيلة وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً، ثم بين أصناف الأنعام، وأنه تعالى لم يحرم شيئاً من ذلك ولا شيئاً من أولادها بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلاً وركوباً وحمولة وحلباً وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال‏:‏ ‏{‏وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين‏}‏ رد عليهم في قولهم‏:‏ ‏{‏ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نبئوني بعلم إن كنتم صادقين‏}‏ أي أخبروني عن يقين كيف حرم اللّه عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، قال ابن عباس‏:‏ يقول لم أحرم من ذلك شيئاً، ‏{‏أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين‏}‏ يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً‏؟‏ ‏{‏نبئوني بعلم إن كنتم صادقين‏}‏ يقول تعالى‏:‏ كله حلال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم كنتم شهداء إذ وصاكم اللّه بهذا‏}‏ تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على اللّه من تحريم ما حرموه من ذلك، ‏{‏فمن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً ليضل الناس بغير علم‏}‏ أي لا أحد أظلم منه، ‏{‏إن اللّه لا يهدي القوم الظالمين‏}‏ وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة لأنه أول من غيّر دين الأنبياء، وأول من سيّب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح‏.‏

 الأية رقم ‏(‏145‏)‏

‏{‏ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ‏}‏

يقول تعالى آمراً عبده ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم اللّه افتراء على اللّه، ‏{‏لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ أي آكل يأكله، قيل‏:‏ معناه لا أجد شيئاً مما حرمتم حراماً سوى هذه، وقيل‏:‏ معناه لا أجد من الحيوانات شيئاً حراماً سوى هذه، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏أو دماً مسفوحاً‏}‏ يعني المهراق، وقال عكرمة‏:‏ لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود، وقال حماد‏:‏ إنما نهى اللّه عن الدم المسفوح، وقال قتادة‏:‏ حرم من الدماء ما كان مسفوحاً، فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به، عن عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأساً والحمرة والدم يكونان على القدر بأساً، وقرأت هذه الآية ‏"‏رواه ابن جرير عن عائشة، قال ابن كثير‏:‏ صحيح غريب‏"‏‏.‏ وقال الحميدي عن عمرو بن دينار قال، قلت لجابر بن عبد اللّه‏:‏ إنهم يزعمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال‏:‏ قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس وقرأ‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ ‏"‏رواه البخاري وأبو داود والحاكم‏"‏الآية، وعن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً، فبعث اللّه نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ الآية ‏"‏هذا لفظ ابن مردويه ورواه أبو داود، وقال الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏"‏، روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال‏:‏ ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت يا رسول اللّه ماتت فلانة تعني الشاة، قال‏:‏ ‏(‏فلم لا أخذتم مسكها‏)‏ قالت‏:‏ نأخذ مسك شاة قد ماتت‏؟‏ فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إنما قال اللّه‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير‏}‏ وإنكم لا تطعمونه، وأن تدبغوه فتنتفعوا به‏)‏، فأرسلت فسلخت مسكها، فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها ‏"‏أخرجه أحمد، ورواه البخاري والنسائي بنحوه‏"‏‏.‏ وقال سعيد بن منصور عن نميلة الفزاري قال‏:‏ كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ الآية، فقال شيخ عنده‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ ذكر عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏خبيث من الخبائث‏)‏، فقال ابن عمر‏:‏ إن كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قاله فهو كما قال ‏"‏ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن اضطر غير باغ ولا عاد‏}‏ أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم اللّه في هذه الآية الكريمة وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان، ‏{‏فإن ربك غفور رحيم‏}‏ أي غفور له رحيم به، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية، والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه اللّه إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، وما أهل لغير اللّه به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه اللّه‏؟‏ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخرى فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء‏.‏

 الأية رقم ‏(‏146‏)‏

‏{‏ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعام والاوز والبط، قال ابن عباس‏:‏ هو البعير والنعامة، وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو الذي ليس منفرج الأصابع، وفي رواية عنه‏:‏ كل متفرق الأصابع، ومنه الديك، وقال مجاهد ‏{‏كل ذي ظفر‏}‏ قال‏:‏ النعامة والبعير شقاً شقاً‏.‏ قلت للقاسم بن أبي بزة وحدثته ما شقاً شقاً‏؟‏ قال‏:‏ كل ما لا ينفرج من قوائم البهائم، قال‏:‏ وما انفرج أكلته، قال‏:‏ انفرجت قوائم البهائم والعصافير، قال‏:‏ فيهود تأكله، قال‏:‏ ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة ولا قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعامة ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار الوحش، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما‏}‏ قال السدي‏:‏ يعني الترب وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول‏:‏ إن حرمه إسرائيل فنحن نحرمه، وكذا قال ابن زيد، وقال قتادة الثرب الثرب بالفتح‏:‏ الشحم الذي على الكرش والأمعاء وكل شحم كان كذلك ليس في عظم، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏إلا ما حملت ظهورهما‏}‏ يعني ما علق بالظهر من الشحوم، وقال السدي‏:‏ الألية مما حملت ظهورهما، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو الحوايا‏}‏ الحوايا جمع واحدها حاوياء وحاوية وحوية، وهو ما تحوي من البطن، وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء، ومعنى الكلام‏:‏ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما وما حملت الحوايا‏.‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ الحوايا المبعر والمربض وهو قول سعيد بن جبير والضحّاك وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن أسلم وغيرهم ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو ما اختلط بعظم‏}‏ يعني إلا ما اختلط من الشحوم بعظم فقد أحللناه لهم، وقال ابن جريج‏:‏ شحم الألية ما اختلط بالعصعص، فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين، وما اختلط بعظم فهوحلال ونحوه قاله السدي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك جزيناهم ببغيهم‏}‏ أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاة على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإنا لصادقون‏}‏ أي وإنا لعادلون فيما جازيناهم به، وقال ابن جرير‏:‏ وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم، لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه، واللّه أعلم‏.‏ وقال عبد اللّه بن عباس‏:‏ بلغ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن سمرة باع خمراً، فقال‏:‏ قاتل اللّه سمرة ألم يعلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها‏)‏‏؟‏ أخرجاه‏.‏ وعن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول عام الفتح‏:‏ ‏(‏إن اللّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام‏)‏، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا، هو حرام‏)‏ ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك‏:‏ ‏)‏قاتل اللّه اليهود إن اللّه لما حرم عليهم شحومهما جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه‏)‏ ‏"‏أخرجه الجماعة من طرق عديدة‏"‏، وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏قاتل اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها‏)‏ ‏"‏رواه البخاري ومسلم‏"‏، وقال ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان قاعداً خلف المقام فرفع بصره إلى السماء فقال‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود - ثلاثاً - إن اللّه حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وإن اللّه لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً‏"‏‏.‏ وقال الإمام أحمد عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاعداً في المسجد مستقبلاً الحجر، فنظر إلى السماء فضحك فقال‏:‏ ‏(‏لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن اللّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏)‏

 الأية رقم ‏(‏147‏)‏

‏{‏ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ فإن كذبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم فقل‏:‏ ‏{‏ربكم ذو رحمة واسعة‏}‏ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة اللّه الواسعة واتباع رسوله، ‏{‏ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين‏}‏ ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول وخاتم النبيين، وكثيراً ما يقرن اللّه تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن كما قال تعالى في آخر هذه السورة‏:‏ ‏{‏إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد * وهو الغفور الودود‏}‏ والآيات في هذا كثيرة جداً‏.‏

 الأية رقم ‏(‏148 ‏:‏ 150‏)‏

‏{‏ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ‏.‏ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ‏.‏ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ‏}‏

هذه مناظرة ذكرها اللّه تعالى، وشبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن اللّه مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره ودل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏لو شاء اللّه ما أشركنا‏}‏، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم‏}‏ الآية، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك كذب الذين من قبلهم‏}‏ أي بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء وهي حجة داحضة باطلة، لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم اللّه بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام، ‏{‏قل هل عندكم من علم‏}‏ أي بأن اللّه راض عنكم فيما أنتم فيه، ‏{‏فتخرجوه لنا‏}‏ أي فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، ‏{‏إن تتبعون إلا الظن‏}‏ أي الوهم والخيال والمراد بالظن ها هنا الاعتقاد الفاسد، ‏{‏وإن أنتم إلا تخرصون‏}‏ تكذبون على اللّه فيما ادعيتموه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين‏}‏، يقول تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏قل‏}‏ لهم يا محمد ‏{‏فللّه الحجة البالغة‏}‏ أي له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من ضل، ‏{‏فلو شاء لهداكم أجمعين‏}‏ فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربك لآمن من في الأرض‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة‏}‏، قال الضحاك‏:‏ لا حجة لأحد عصى اللّه، ولكن للّه الحجة البالغة على عباده، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل هلم شهداءكم‏}‏ أي أحضروا شهداءكم ‏{‏الذين يشهدون أن اللّه حرم هذا‏}‏ أي هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على اللّه فيه، ‏{‏فإن شهدوا فلا تشهد معهم‏}‏ أي لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذباً وزوراً، ‏{‏ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون‏}‏ أي يشركون به ويجعلون له عديلاً‏.‏

 الأية رقم ‏(‏151‏)‏

‏{‏ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ‏}‏

قال ابن مسعود رضي اللّه عنه‏:‏ من أراد أن ينظر إلى وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً - إلى قوله - لعلكم تعقلون‏}‏‏.‏ وقال الحاكم في مستدركه عن عبد اللّه بن خليفة قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ الآيات، وعن عبادة بن الصامت قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أيكم يبايعني على ثلاث‏)‏ ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ حتى فرغ من الآيات‏.‏‏.‏ ‏(‏فمن أوفى فأجره على اللّه ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه اللّه به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى اللّه إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه‏)‏ ‏"‏رواه الحاكم وقال‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏"‏‏.‏ يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير اللّه وحرموا ما رزقهم اللّه وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ‏{‏قل‏}‏ لهم ‏{‏تعالوا‏}‏ أي هلموا وأقبلوا ‏{‏أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه وأمراً من عنده ‏{‏ألا تشركوا به شيئاً‏}‏ وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق وتقديره‏:‏ وأوصاكم ‏{‏ألا تشركوا به شيئاً‏}‏ ولهذا قال في آخر الآية‏:‏ ‏{‏ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون‏}‏‏.‏

وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك باللّه شيئاً من أمتك دخل الجنة، قلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ وإن زنى وإن سرق، قلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ وإن زنى وإن سرق، قلت‏:‏ وإن زنى وإن سرق‏؟‏ قال‏:‏ وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر‏)‏؛ وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة‏:‏ ‏(‏وإن رغم أنف أبي ذر‏)‏، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث‏:‏ ‏(‏وإن رغم أنف أبي ذر‏)‏، وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول تعالى‏:‏ يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، ولهذا شاهد في القرآن قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود‏:‏ ‏(‏من مات لا يشرك باللّه شيئاً دخل الجنة‏)‏ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وعن عبادة بن الصامت قال‏:‏ أوصانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبع خصال‏:‏ ‏(‏ألا تشركوا باللّه شيئاً وإن حرقتم وقطعتم وصلّبتم‏)‏ ‏"‏رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم‏"‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحساناً‏}‏ أي أوصاكم وأمركم بالوالدين إحساناً أي أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً‏}‏، واللّه تعالى كثيراً ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال‏:‏ ‏{‏أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير‏}‏، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا اللّه وبالوالدين إحساناً‏}‏ والآيات في هذا كثيرة‏.‏

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أي العمل أفضل‏؟‏ قال‏:‏ الصلاة على وقتها‏(‏ قلت‏:‏ ثم أيّ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بر الوالدين‏)‏ قلت‏:‏ ثم أيّ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجهاد في سبيل اللّه‏)‏، قال ابن مسعود‏:‏ حدثني بهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو استزدته لزادني‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم‏}‏ لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم من إملاق‏}‏، وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أي الذنب أعظم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجعل للّه نداً وهو خلقك‏)‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تزاني حليلة جارك‏)‏ ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ولا يزنون‏}‏ ‏"‏أخرجه الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود‏"‏الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من إملاق‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هو الفقر أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق‏}‏ أي لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك‏:‏ ‏{‏نحن نرزقهم وإياكم‏}‏ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على اللّه وأما هنا فلما كان الفقر حاصلاً قال‏:‏ ‏{‏نحن نرزقكم وإياهم‏}‏ لأنه الأهم هنا واللّه أعلم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏}‏، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق‏}‏‏.‏ قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذروا ظاهر الإثم وباطنه‏}‏ وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا أحد أغير من اللّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏)‏

وفي الصحيحين قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏أتعجبون من غيرة سعد‏؟‏ فواللّه لأنا أغير من سعد، واللّه أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق‏}‏، وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيداً وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث‏:‏ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة‏)‏، وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏(‏والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم‏)‏ وذكره، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب اللّه ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض‏)‏ وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أنه قال وهو محصور‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل بغير نفس‏)‏ فواللّه ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه بعد إذ هداني اللّه، ولا قتلت نفساً، فبم تقتلوني ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏"‏‏؟‏ وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعاً‏:‏ ‏(‏من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً‏)‏ وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من قتل معاهداً له ذمة اللّه وذمة رسوله فقد أخفر بذمة اللّه فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً‏)‏ ‏"‏رواه ابن ماجه والترمذي وقال‏:‏ حسن صحيح‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون‏}‏ أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن اللّه وأمره ونهيه‏.‏

 الأية رقم ‏(‏152‏)‏

‏{‏ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ‏}‏

عن ابن عباس قال لما أنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن‏}‏، و‏{‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً‏}‏ الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم‏}‏ قال‏:‏ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم ‏"‏رواه أبو داود عن ابن عباس‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يبلغ أشده‏}‏، قال الشعبي ومالك‏:‏ يعني حتى يحتلم، قال السدي‏:‏ حتى يبلغ ثلاثين سنة، وقيل‏:‏ أربعون سنة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوفوا الكيل والميزان بالقسط‏}‏ يأمر تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون‏}‏ وقد أهلك اللّه أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان، وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان‏:‏ ‏(‏إنكم وليتم أمراً هلكت فيه الأمم السابقة قبلكم‏)‏ ‏"‏إسناده ضعيف‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس‏"‏، وقد رواه ابن مردويه في تفسيره، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إنكم معشر الموالي قد بشركم اللّه بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة‏:‏ المكيال والميزان‏)‏ وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لا نكلف نفساً إلا وسعها‏}‏ أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آموا كونوا قوامين للّه شهداء بالقسط‏}‏ الآية، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، واللّه تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال، وقوله‏:‏ ‏{‏وبعهد اللّه أوفوا‏}‏، قال ابن جرير‏:‏ يقول‏:‏ وبوصية اللّه التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنّة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد اللّه ‏{‏ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون‏}‏، يقول تعالى‏:‏ هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏ أي تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه‏.‏

 الأية رقم ‏(‏153‏)‏

‏{‏وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ‏}‏

قال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ أمر اللّه المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين اللّه، وقال الإمام أحمد بن حنبل عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ خط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطاً بيده ثم قال‏:‏ ‏(‏هذا سبيل اللّه مستقيماً‏)‏، وخط عن يمينه وشماله ثم قال‏:‏ ‏(‏هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه‏)‏، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ ‏"‏رواه أحمد والحاكم والنسائي، وقال الحاكم‏:‏ صحيح ولم يخرجاه‏"‏‏.‏ وعن جابر قال‏:‏ كنا جلوساً عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال‏:‏ ‏(‏هذا سبيل اللّه‏)‏ وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال‏:‏ ‏(‏هذه سبل الشياطين‏)‏، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون‏}‏ ‏"‏رواه أحمد وابن ماجه والبزار‏"‏‏.‏ وعنه قال‏:‏ خط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطاً، وخط عن يمينه خطاً، وخط عن يساره خطاً، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه‏}‏ ‏"‏رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه‏"‏‏.‏ قال ابن جرير عن أبان بن عثمان أن رجلاً قال لابن مسعود‏:‏ ما الصراط المستقيم‏؟‏ قال تركنا محمد صلى اللّه عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله‏}‏ الآية، وعن النواس بن سمعان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ضرب اللّه مثلاً صراطاً مستقيماً، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول‏:‏ يا أيها الناس هلم أدخلوا الصراط المستقيم جميعاً، ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال‏:‏ ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود اللّه، والأبواب المفتحة محارم اللّه، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب اللّه، والداعي من فوق الصراط واعظ اللّه في قلب كل مسلم‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتبعوه ولا تتبعوا السبل‏}‏ إنما وحد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏‏.‏ وقال ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث‏)‏، ثم تلا‏:‏ ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ حتى فرغ من ثلاث آيات، ثم قال‏:‏ ‏(‏ومن وفى بهن فأجره على اللّه، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه اللّه في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى اللّه إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الأية رقم ‏(‏154 ‏:‏ 155‏)‏

‏{‏ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ‏.‏ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ‏}‏

لما أخبر اللّه سبحانه عن القرآن بقوله‏:‏ ‏{‏وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه‏}‏ عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال‏:‏ ‏{‏ثم آتينا موسى الكتاب‏}‏ وكثيراً ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدّقٌ لساناً عربياً‏}‏، وقال تعالى مخبراً عن المشركين‏:‏ ‏{‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏}‏، وقال تعالى مخبراً عن الجن‏:‏ ‏{‏يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً‏}‏ أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماماً كاملاً جامعاً لما يحتاج إليه في شريعته، كقوله‏:‏ ‏{‏وكتبنا له في الألواح من كل شيء‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على الذي أحسن‏}‏ أي جزاء على إحسانه في العمل وقيامة بأوامرنا وطاعتنا، كقوله‏:‏ ‏{‏هل جزاء الإحسان إلا الإحسان‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون‏}‏، وقال الربيع بن أنس ‏{‏تماماً على الذي أحسن‏}‏ يقول‏:‏ أحسن فيما أعطاه اللّه، وقال قتادة‏:‏ من أحسن في الدنيا تم له ذلك في الآخرة، واختار ابن جرير أن تقديره‏:‏ ‏{‏ثم آتينا موسى الكتاب تماماً‏}‏ على إحسانه، فكأنه جعل الذي مصدرية، كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخضتم كالذي خاضوا‏}‏ أي كخوضهم، وقال ابن رواحة‏:‏

وثبت اللّه ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصراً كالذي نصروا‏.‏

وقال آخرون‏:‏ الذي ههنا بمعنى الذين، وذكر عن عبد اللّه بن مسعود أنه كان يقرؤها‏:‏ ‏{‏تماماً على الذين أحسنوا‏}‏، وقال مجاهد‏:‏ تماماً على الذي أحسن‏:‏ على المؤمنين والمحسنين، وقال البغوي‏:‏ المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني أظهرنا فضله عليهم، قلت‏:‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي‏}‏ ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة‏}‏ فيه مدح لكتابه الذي أنزله اللّه عليه ‏{‏لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون‏}‏ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل اللّه المتين‏.‏

 الأية رقم ‏(‏156 ‏:‏ 157‏)‏

‏{‏ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ‏.‏ أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ‏}‏

قال ابن جرير‏:‏ معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا ‏{‏إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا‏}‏ يعني لينقطع عذركم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على طائفتين من قبلنا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هم اليهود والنصارى وهو قول مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد من السلف ، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن كنا عن دراستهم لغافلين‏}‏ أي وما كنا نفهم ما يقولون لأنهم ليسوا بلساننا ونحن في غفلة وشغل مع ذلك عما هم فيه، وقوله‏:‏ ‏{‏أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم‏}‏ أي وقطعنا تعللكم أن تقولوا لو أنا نزل علينا ما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله‏:‏ ‏{‏وأقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم‏}‏ الآية، وهكذا قال ههنا‏:‏ ‏{‏فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة‏}‏ يقول‏:‏ فقد جاءكم من اللّه على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم النبي العربي قرآن عظيم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب ورحمة من اللّه لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن أظلم ممن كذب بآيات اللّه وصدف عنها‏}‏ أي لم ينتفع بما جاء به الرسول ولا اتبع ما أرسل به ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات اللّه أي صرف الناس وصدهم عن ذلك، قاله السدي، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة‏:‏ وصدف عنها أعرض عنها، وقول السدي ههنا فيه قوة، لأنه قال‏:‏ ‏{‏فمن أظلم ممن كذب بآيات اللّه وصدف عنها‏}‏ كما تقدم في أول السورة، ‏{‏وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه زدناهم عذاباً فوق العذاب‏}‏ وقال في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون‏}‏، وقد يكون المراد فيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ‏{‏فمن أظلم ممن كذب بآيات اللّه وصدف عنها‏}‏ أي لا آمن بها، ولا عمل بها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا صدق ولا صلى ولكن كذّب وتولى‏}‏ وغير ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه وترك العمل بجوارحه، ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، واللّه أعلم‏.‏

 الأية رقم ‏(‏158‏)‏

‏{‏ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ‏}‏

يقول تعالى متوعداً للكافرين والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن سبيله‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك‏}‏، وذلك كائن يوم القيامة ‏{‏أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها‏}‏ وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها، حين يرون شيئاً من أشراط الساعة، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية‏.‏ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها‏)‏، فذلك حين ‏{‏لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏}‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏)‏، ثم قرأ هذه الآية ‏"‏أخرجه البخاري من طرق متعددة عن أبي هريرة‏"‏‏.‏ وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، وقال ابن جرير عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً‏:‏ طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض‏)‏، وقال ابن جرير عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلهم وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن أبي هريرة‏"‏‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن أبي ذر الغفاري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت‏؟‏‏)‏ قلت لا أدري، قال‏:‏ ‏(‏إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها ارجعي من حيث جئت، وذلك حين ‏{‏لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏}‏‏)‏ ‏"‏أخرجه الشيخان عن أبي ذر الغفاري‏"‏‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال أشرف علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات‏:‏ طلوع الشمس من مغاربها، والدخان والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة خسوف‏:‏ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق، أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏"‏‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏‏{‏يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها‏}‏ - قال طلوع الشمس من مغربها‏)‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها‏)‏، وفي حديث صفوان بن عسال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن اللّه فتح باباً قبل المغرب عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه‏)‏ ‏"‏رواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجه‏"‏‏.‏

حديث آخر ‏:‏ عن عبد اللّه بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهم أجمعين قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر عن ابن السعدي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل‏)‏ فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الهجرة خصلتان إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى اللّه ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد، قال ابن كثير‏:‏ هذا الحديث حسن الإسناد‏"‏‏.‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏}‏ أي إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك، فإن كان مصلحاً في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحاً فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو كسبت في إيمانها خيراً‏}‏ أي ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملاً به قبل ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل انتظروا إنا منتظرون‏}‏ تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن سوَّف إيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور أشراطها كما قال‏:‏ ‏{‏فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنّى لهم إذا جاءتهم ذكراهم‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللّه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا‏}‏ الآية‏.‏

 الأية رقم ‏(‏159‏)‏

‏{‏ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ‏}‏

نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى هذا قول مجاهد وقتادة والضحّاك والسدي ، وقال ابن عباس‏:‏ إن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم أنزل اللّه عليه‏:‏ ‏{‏إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء‏}‏ الآية، قوله ‏{‏وكانوا شيعاً‏}‏ قال‏:‏ هم الخوارج، وقيل‏:‏ هم أصحاب البدع، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين اللّه وكان مخالفاً له، فإن اللّه بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ‏{‏وكانوا شيعاً‏}‏ أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن اللّه تعالى قد برأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك‏}‏ الآية‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد‏)‏، فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة اللّه وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لست منهم في شيء‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما أمرهم إلى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة‏}‏ الآية‏.‏ ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى‏:‏

 الأية رقم ‏(‏160‏)‏

‏{‏ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ‏}‏

وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى، وهي قوله‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله خير منها‏}‏، وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏إن ربكم عزَّ وجلَّ رحيم، من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها اللّه عزَّ وجلَّ، ولا يهلك على اللّه إلا هالك‏)‏ ‏"‏رواه البخاري ومسلم والنسائي‏"‏‏.‏ وقال أحمد أيضاً عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏يقول اللّه عزَّ وجلَّ من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إليَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة‏)‏ ‏"‏رواه مسلم وابن ماجه‏"‏‏.‏ عن أنس ابن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة‏)‏ ‏"‏رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي‏"‏، واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام‏:‏ تارة يتركها للّه، فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها للّه تعالى وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح، فإنما تركها من جرائي أي من أجلي، وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيراً ولا فعل شراً، وتارة يتركها عجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إنه كان حريصاً على قتل صاحبه‏)‏ ‏"‏رواه البخاري ومسلم‏"‏‏.‏

وعن خريم بن فاتك الأسدي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الناس أربعة والأعمال ستة‏.‏ فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلماً مؤمناً لا يشرك باللّه شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات كافراً وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها فعلم اللّه أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل اللّه عزَّ وجلَّ كانت بسبعمائة ضعف‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والترمذي والنسائي‏"‏، وقال ابن أبي حاتم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يحضر الجمعة ثلاثة نفر‏:‏ رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا اللّه فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهو كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن اللّه عزَّ وجلَّ يقول‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏ وقال الحافظ الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن اللّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها‏}‏‏.‏ والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً وفيما ذكر كفاية إن شاء اللّه وبه الثقة‏.‏

 الأية رقم ‏(‏161 ‏:‏ 163‏)‏

‏{‏ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ‏.‏ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ‏.‏ لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ‏}‏

يقول تعالى آمراً نبيه صلى اللّه عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ‏{‏ديناً قيماً‏}‏ أي قائماً ثابتاً ‏{‏ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وجاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن إبراهيم كان أمّة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏}‏، وليس يلزمه من كونه صلى اللّه عليه وسلم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها لأنه عليه السلام قام بها قياماً عظيماً، وأكملت له إكمالاً تاماً لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى الخليل عليه السلام‏.‏ وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أصبح قال‏:‏ ‏(‏أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين‏)‏، وقال الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال‏:‏ قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الأديان أحب إلى اللّه تعالى‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الحنيفية السمحة‏)‏ ‏"‏أخرجه الأمام أحمد في المسند‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين‏}‏ يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير اللّه ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته للّه ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره اللّه تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص للّه تعالى، قال مجاهد‏:‏ النسك‏:‏ الذبح في الحج والعمرة، وقال سعيد بن جبير ‏{‏ونسكي‏}‏ قال‏:‏ ذبحي، وكذا قال السدي والضحاك، وعن جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ ضحّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما‏:‏ ‏(‏وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏)‏ ‏"‏رواه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه‏"‏‏.‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وأنا أول المسلمين‏}‏ قال قتادة‏:‏ أي من هذه الأمة، وهو كما قال‏:‏ فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة اللّه وحده لا شريك له، وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه‏:‏ ‏{‏فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا بني إن اللّه اصطفى لكم لدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏، وقال يوسف عليه السلام‏:‏ ‏{‏رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين‏}‏، وقال موسى‏:‏ ‏{‏يا قوم إن كنتم آمنتم باللّه فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار‏}‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون‏}‏، فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة، التي ينسخ بعضها بعضاً إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد‏)‏ فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات وقد قال الإمام أحمد عن علي رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا كبر استفتح ثم قال‏:‏ ‏(‏وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين إلى آخر الآية‏:‏ ‏(‏اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك‏(‏، ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد ‏"‏الحديث رواه مسلم في صحيحه‏"‏‏.‏

 الأية رقم ‏(‏164‏)‏

‏{‏- قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين باللّه في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ‏{‏أغير اللّه أبغي رباً‏}‏ أي أطلب رباً سواه، ‏{‏وهو رب كل شيء‏}‏ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء وملكيه وله الخلق والأمر، ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة للّه وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيراً في القرآن كقوله تعالى مرشداً لعباده أن يقولوا له‏:‏ إياك نعبد وإياك نستعين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فاعبده وتوكل عليه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً‏}‏ وأشباه ذلك من الآيات‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء اللّه تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يخاف ظلماً ولا هضماً‏}‏ قال علماء التفسير أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين‏}‏ معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيء إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء‏}‏ أي ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي نقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئاً حتى ساويناهم، وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال‏:‏ ‏{‏كل امرىء بما كسب رهين‏}‏ أي من شر، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون‏}‏ أي اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا كقوله‏:‏ ‏{‏قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعلمون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بالحق وهو الفتاح العليم‏}‏‏.‏

 الأية رقم ‏(‏165‏)‏

‏{‏ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعلكم خلائف الأرض‏}‏ أي جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إني جاعل في الأرض خليفة‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ورفع بعضكم فوق بعض درجات‏}‏، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليبلوكم في ما آتاكم‏}‏ أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه، ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره‏.‏ وفي صحيح مسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء‏)‏ ‏"‏رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم‏}‏ ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، ‏{‏وإنه لغفور رحيم‏}‏ لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏:‏ ليرحم العباد على ما فيهم‏.‏ وكثيراً ما يقرن اللّه تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله‏:‏ ‏{‏نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب‏.‏ فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا اللّه ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب‏.‏ وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط أحد من الجنة‏.‏ خلق اللّه مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه، يتراحمون بها وعند اللّه تسعة وتسعون‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏، وعنه أيضاً قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏جعل اللّه الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏